فخر الدين الرازي

5

تفسير الرازي

في الآية مسائل : المسألة الأولى : أن كفار قريش تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً بالرسالة والوحي ، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك التعجب . أما بيان كون الكفار تعجبوا من هذا التخصيص فمن وجوه : الأول : قوله تعالى : * ( أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب * وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ) * ( ص : 5 و 6 ) وإذا بلغوا في الجهالة إلى أن تعجبوا من كون الإله تعالى واحداً ، لم يبعد أيضاً أن يتعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً بالوحي والرسالة ! والثاني : أن أهل مكة كانوا يقولون : إن الله تعالى ما وجد رسولاً إلى خلقه إلا يتيم أبي طالب ! والثالث : أنهم قالوا : * ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ) * ( الزخرف : 31 ) وبالجملة فهذا التعجب يحتمل وجهين : أحدهما : أن يتعجبوا من أن يجعل الله بشراً رسولاً ، كما حكي عن الكفار أنهم قالوا : * ( أبعث الله بشراً رسولاً ) * ( الإسراء : 94 ) والثاني : أن لا يتعجبوا من ذلك بل يتعجبوا من تخصيص محمد عليه الصلاة والسلام بالوحي والنبوة مع كونه فقيراً يتيماً ، فهذا بيان أن الكفار تعجبوا من ذلك . وأما بيان أن الله تعالى أنكر عليهم هذا التعجب فهو قوله في هذه الآية : * ( أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم ) * فإن قوله : * ( أكان للناس عجباً ) * لفظه لفظ الاستفهام ، ومعناه الإنكار ، لأن يكون ذلك عجباً . وإنما وجب إنكار هذا التعجب لوجوه : الأول : أنه تعالى مالك الخلق وملك لهم والمالك والملك هو الذي له الأمر والنهي والإذن والمنع . ولا بد من إيصال تلك التكاليف إلى أولئك المكلفين بواسطة بعض العباد . وإذا كان الأمر كذلك كان إرسال الرسول أمراً غير ممتنع ، بل كان مجوزاً في العقول . الثاني : أنه تعالى خلق الخلق للاشتغال بالعبودية كما قال : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) * ( الذاريات : 56 ) وقال : * ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ) * ( الإنسان : 2 ) وقال : * ( قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى ) * ( الأعلى : 14 ، 15 ) ثم إنه تعالى أكمل عقولهم ومكنهم من الخير والشر ، ثم علم تعالى أن عباده لا يشتغلون بما كلفوا به ، إلا إذا أرسل إليهم رسولاً ومنبهاً . فعند هذا يجب وجوب الفضل والكرم والرحمة أن يرسل إليهم ذلك الرسول ، وإذا كان ذلك واجباً فكيف يتعجب منه . الثالث : أن إرسال الرسل أمر ما أخلى الله تعالى شيئاً من أزمنة وجود المكلفين منه ، كما قال : * ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ) * ( يوسف : 109 ) فكيف يتعجب منه مع أنه قد سبقه النظير ، ويؤكده قوله تعالى : * ( ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ) * الأعراف : 59 ) وسائر قصص الأنبياء عليهم السلام . الرابع : أنه تعالى إنما أرسل إليهم رجلاً عرفوا نسبه وعرفوا كونه أميناً بعيداً عن أنواع التهم والأكاذيب ملازماً للصدق والعفاف . ثم إنه كان أمياً لم يخالط أهل الأديان ، وما قرأ كتاباً أصلاً البتة ، ثم إنه مع ذلك يتلو عليهم أقاصيصهم ويخبرهم عن وقائعهم ، وذلك يدل على كونه